اسم الزائر : محمد مصطفى انجاي
الدولة : السنغال
الحمد لله السلام عليكم ورحمة الله قد من الله علي ان أكون من ضمن المناضلين في الدورة المنظمة تحت عنوان اعداد المحاضرين ..ونشكر الدكتور أحمد الشلبي الذي تشرف بهذه المهمة ...
اسم الزائر : أحمد جمال الجراح
الدولة : الاردن
كم كنت سعيداً بأخذي دورة عن الوقاية من الامراض المنقولة جنسياً وكم كنت فخوراً بقامة علمية مثلك دكتور عبدالحميد القضاة .. كل الاحترام
اسم الزائر : هاجرمحمد جمعة عثمان
الدولة : السودان
انا هاجر من وزارة الصحة ولاية الخرطوم ادارة الرعاية الصحية الاولية ماجستير تثقيف صحى الشكر للدكتور عبد الحميد القضاة على المحاضرة الثرة والمفيدة جدا وارغب فى الانضمام الى الدورات ...
اسم الزائر : احمد حسن
الدولة : موزمبيق
جزا الله خيرا كل القائمين على هذا الموقع الذي يعد بحق تغرا من ثغور الإسلام، وبارك الله في جهدكم ، وشكر سعيكم ، ورزقكم الإخلاص والقبول ، ونخص بالشكر والدعاء ...
اسم الزائر : خيري متولي محمد
الدولة : مصر
جزاك الله خيرا الدكتور /محمد شلبي
علي المحاضرات المهمه التي استفدنا منها كثيرا ونسال الله الله ان يزيده من علمه وجعل هذا في ميزان ...
Qudah ... تابعوا جديدنا من دورات ومحاضرات على صفحة الفيس بوك ... fb/Youth.Protection.Project ... Qudah ...
 
دفتر العمر ..

دفتر العمر ..

الصفحة الرئيسية » أنشطة الفريق

 

 

 

نسخة الكترونية  تجدونها في كتب المشروع في الموقع 

 

 

دفتر العُمر

 

 

 

 

هي صفحات قليلة من دفتر عمر ضحية بريئة، قد تختلف دفاتر العمر لأمثالهم  في التفاصيل والأحداث والعذابات، ولكنها كلها تتشابه في تفاصيل الصفحة الأولى!

هي سهام موجّهة - لعلّها تكون موجعة- إلى كل ذكر وأنثى رضوا بأن تكون مهمتهم مقصورة في تنفيذ الصفحة الأولى من  دفتر عمر خطيئتهم!

هي كلمة أهمس بها في أذن كل ضحية، النقاء خيار لكل إنسان، فأنت نقي وأنت نقية، والعار لايلزم إلا من اختاره فقط.

 

 

أمل طوقان

 

 

الصفحة الأولى

كانت تتابع تلك الحمامة الكبيرة ذات اللون الأبيض الناصع البرّاق وهي تطير مزهوة بحريتها دون أن تحمل هماً أو تبدي حزناً أو تشغل بالاً فيما لايستحق، كانت تفكر بروعة الحياة بحرية دونما قيود أو حدود، حتى أنها تمنت لو أنها حمامة تطير وتتنقل وترى في كل يوم حياة جديدة.

كانت أحلامها تحلق أمامها مع الحمامة لدرجة أنها أنستها مصيبتها الكبرى لدقائق معدودة، انتهت بغياب الحمامة عن ناظريها، فعادت تفكر كيف ستجابه المجتمع بعد أيام قليلة عندما يظهر أمام الجميع ما أخفته طيلة تسعة شهور!

مدّت يدها على محيط بطنها تتفقد خطيئتها، فشعرت بركلة حرّكت مشاعرها، وكأنما الذي في أحشائها يداعبها ويعاتبها، فهو ينتظر حياة لا يدري عواقبها.

قالت له: تزوجني لنُكوِّن عائلة لطفلنا القادم.

ضحك ساخرا: لا أتزوج أمثالك! وما يدريني أن هذا طفلي!

فزعت قائلة: أنت تعرف أنه طفلك، فلا تتركني وحدي أرجوك.

هزّ رأسه مستهزئاً وأدار ظهره غير مبال لها، أو للجنين الذي في أحشائها، فقد حقق مأربه ولم يعد هناك ما يجذبه لها، فقد انتهى دورها، وراح يبحث عن متعة أخرى في مكان آخر.

آثام تجر آثام، وكلها تبدأ بخدعة شيطان، يزين الحب والهيام والعشق والغرام، ويزيل القيود والحدود، ويُغشي ضمير العاشقين، فيطيران بحرية توهموها هاربين من قفص يقيدهم ويهدم سعادتهم، وعندما يبصران الحقيقة يعرفان بأنهما لم يكونا يوما حُرّين، وإنما كانا عبديْن لرغبة آثمة، تركت بصمتها الوحشية النرجسية عليهما، وعلى ضحيتهما.

 

 

 

 

الصفحة الثانية

ظهرت ورقاء الضحى مرة أخرى وهي تطير بسعادة في ملكوت الله، وبفطرتها السليمة كانت تبحث عن غذاء لصغارها الذين ينتظرونها في عش مبني بإحكام ومختار بعناية في مكان مستور أمين، لا تصله أيدي المخربين ولا يطاله فضول العابثين.

تراءى لها ظل حبوب وأرز منثورة بجانب حاوية القمامة، فهبطت باتجاهها وبدأت تلتقطه، فخيل لها أنها سمعت أنينا ضعيفا من صندوق بجانب الحاوية، فتملكها الفضول ومشت بخطى حذرة علّها تجد رزقا جديدا بانتظارها.

كان ما ظنته رزقاً ملفوفا بقطعة قماش وردي مزخرف ومطرز، وكأنما جودة ما لفت به هذه الرضيعة سيغنيها عن سوء المكان الذي وضعت فيه، وعن بؤس الحياة التي ستواجهها.

طارت الحمامة على طرف الصندوق وهي تحرك رأسها يمنة ويسرة تتفحص جمال وبراءة ما ترى، وكأن تلك الرضيعة الصغيرة قد شعرت بالطمأنينة، فبدأت ترسم ابتسامة خجولة وتحرك يديها تريد أن تلمسها، وأن تعيش معها الحنان الذي ينشده أي طفل في عالم الإنسانية مهما كان جنسه أو عرقه أو دينه أو لونه.

مشت الحمامة حتى وصلت رأس الطفلة فدنت منها بلطف وحركت رأسها على خدها بعطف، مما جعل الطفلة تضحك بصوت عال أفزعها فطارت مبتعدة إلى الخلف بسرعة، ولكنها سرعان ما عادت وأعادت حركتها فضحكت الطفلة مرة أخرى، فلم تفزع الحمامة هذه المرة، بل أعادت وأعادت وكأنما أرادت أن تؤنسها في وحدتها وتخفف عنها وحشتها.

بدأت الطفلة بالبكاء عندما شعرت بالجوع، فطارت ورقاء الضحى تبحث عن أحد يساعد هذه الرضيعة البريئة، ووقفت عند حافة نافذة، فرأت فتاة وشاب يتجادلان بحدة، وكانت الفتاة تبكي وتصرخ بألم وحرقة، وكان الشاب ينفخ دخان السجائر في الحجرة غير عابئ بالفتاة ونحيبها، فطارت الحمامة مبتعدة وهي تعلم بأنها لن تجد المساعدة المنشودة في مثل هذا البيت.

وقفت هذه المرة على حافة شرفة يجلس فيها عجوز وزوجته وهما يتناولان قدحاً من شاي الظهيرة، فابتهجت الحمامة ظناً منها بأنها ستتلقى المساعدة في الحال، فبدأت تحرك جناحيها أمامهما بسرعة في محاولة للفت انتباههما .

قال العجوز: أشعر بالهواء قويا أمام وجهي، يبدو أن زوبعة ستقوم، هيا بنا ندخل قبل أن نتأذى، ودخلا وكل منهما يمسك بعصاه البيضاء يتلمس طريقه.

شعرت الحمامة باليأس، ولكن غريزتها وفطرتها الطبيعية، لم ترض بأن تترك الطفلة دون مساعدة، فأضحت تتنقل من بيت إلى آخر، ولكنها عجزت عن لفت الأنظار، فعادت إلى الطفلة مرة أخرى.

كان دهشة الحمامة عظيمة عندما وجدت الصندوق فارغاً، ودهشتها كانت أعظم عندما وجدت الفتاة التي رأتها تنتحب وهي تنظر إلى الصندوق الفارغ وتصرخ قائلة : لقد تركتها هنا، لقد تركتها هنا، أين هي ؟

الصفحة الثالثة

- أمي، تعالي، لقد أنجبت القطة هرتين صغيرتين جميلتين.  

- ما أجملهم يا عزيزتي، ستكون مسؤوليتك منذ اليوم الاعتناء بهم وبأمهم حتى يكبروا.

- هل أنت جادّة ياأمي؟ كيف سأعتني بهم؟

- فقط أشعريهم بالحب والحنان وهم سيعرفون، وأنت ستتعلمين كيفية الاعتناء بهم.

لم أفهم ما قالته أمي جيدا في حينها، ولكن مع مرور الأيام وخلال عنايتي بهم فهمت قولها، فقد أحبّوني وأحببتهم، ولعبت معهم، وكنت أنظر إليهم وهم يرضعون مع أمهم الحنان قبل الحليب، فأقضي أسعد أوقاتي.

- أمي، هل أرضعتني عندما كنت صغيرة؟

- ها ... لا ... نعم .. أرضعتك.

لم أعرف لماذا شعرت بأن أمي قد ارتبكت، ولم أدر عما إذا كان سؤالي محرجا ولا يجوز طرحه، لكنني شعرت بالضيق.

استيقظت ذلك اليوم على مواء القطة الأم، وكان مواءا ينم عن حدث ما، ركضت بسرعة لأرى ما بها ورأيت أن أمي قد خرجت قبلي.

- ما بها يا أمي؟

- يبدو أن هناك من أخذ صغارها وهي تبحث عنهم منذ الصباح .

- ماذا؟ من أخذ صغارها؟

- لا أدري ياعزيزتي!

بقيت القطة الأم تبحث وتموء وتنادي صغارها، ولكن لم يكن يجيبها أحد، فتجلس على الأرض في المكان الذي اعتادت أن ترضعهم فيه لعلّهم يأتون للرضاعة، ولم يأتوا، فتنام في ذلك المكان علّهم يعودون.

كم حزنت تلك القطة على فراق صغارها، وكم حزنتُ وأمي معها، كانت أياما عصيبة، ولم نعرف حتى الآن من قاسي القلب وعديم الرحمة الذي أخذ صغار القطة من أمهم؟

سألت يوما أمي: لماذا لايوجد عندي أخوة وأخوات ؟

- إنها إرادة الله عز وجل.

- في المدرسة، جميع صديقاتي لديهن أخوة وأخوات يلعبن معهن ولا يشعرن بالوحدة مثلي!

- هذا قدر الله ياحبيبتي، ولابد من أن نؤمن ونرضى به وأن نحمده ونشكر الله دائما.

- هل تذكرين ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى منزل صديقتي نورة؟

- نعم ، هل حدث شيئا هناك؟

- لا، على العكس، لقد لعبنا وفرحنا، ولكن والدتها علّقت عليّ بأنني لا أشبهك ولا أشبه أبي، لماذا لا أشبهكم؟

وكأنما لسعت أمي نحلة عندما سألتها ذلك السؤال، فقد انتفضت وشحب لونها وتغير حالها ثم قالت: كيف لا تشبهينا ياحبيبتي، أنت تشبهين جدتك، اذهبي عزيزتي إلى حجرتك وقومي بحل واجباتك المنزلية بينما أنهي ما عليّ من أعمال.

غادرتني أمي وطيف دمعة تبرق في عينيها، ومع أنها حاولت أن تشيح بوجهها كي لا أراها، إلا أنني رأيتها ودهشت من وجودها.

نظرت إلى مرآتي التي لا تفارقني، وبدأت أدقق في ملامح وجهي وأنا أتمتم: إذن أنا أشبهك يا جدتي، كم أتمنى لو أنك حية حتى أمتع عينيّ بمرآك، وأطرب سمعي بقصصك المثيرة، فقد قرأت مرة بأن قصص الجدّات لا تُملّ أبدا، وحتى أحظى بنصيب الأسد من الحلوى التي تخبئينها لأحفادك كوني حفيدتك الوحيدة، وحتى ... وحتى ... ، وبقيت أحلم بالكلمات التي كنت سأضعها بعد حتى، إلى أن غلبني النعاس فغرقت في النوم.

 

الصفحة الرابعة

البيت مليء بالوجوه المحدّقة المتشحة بالسواد، أنظر إليهن وعيناي لا تكاد ترى ملامحهن، أسمع أصواتهن فأميّز منها بضع كلمات هنا وهناك، كلماتهن تذكر محاسن أمي التي انتقلت إلى جوار بارئها مساء أمس، لقد ماتت أمي وهي تشد على يدي وتقول: سامحيني ياابنتي، فقدري أن لا أبقى بجانبك وأرعاك، أنا مؤمنة وصابرة على قضاء الله وأريدك أن تصبري أنت أيضا على ما قد تكشفه لك الأيام، فلا تجزعي وتحلّي بالشجاعة مهما كانت الظروف قاسية، ثم ارتخت قبضة أمي، وأسلمت الروح بسلام.

مرّت أيام العزاء ، وصرت بالكاد أرى أبي الذي يهرب دوما من البيت، فهو لايقوى على مواجهة واقع موت أمي، ولا يقدر على التأقلم معه.

كم أشتاق لها، ولأحضانها، ولصوتها الحنون يداعب مسامعي، ولضحكتها تملأ البيت فرحا وسرورا، وكم أشتاق له أيضا، فكأنني صرت يتيمة الأبوين فجأة .

كان اليوم هو يوم ميلادي الرابع عشر، لم أشعر فيه سوى بالهم واليأس يتداخلني، كبرت عاما حزينا، أيامه لوعة فراق، ودقائقه لحظات ألم.

أحضر لي والدي كعكة، وجلسنا معا نحاول أن نطفئ الشموع، فلم نقدر، وكأنما أنفاسنا رحلت مع رحيل أمي.

جلس أبي وأجلسني أمامه، كان وجهه بنطق بؤسا، حاول أن يبدأ الكلام، صوته كان حزينا وضعيفا فخانه .

 استجمع قواه وقال: اسمعي يا ابنتي، كلماتي حادة كحد السيف القاطع، مؤلمة كحرق النار.

كانت الكلمات تطير بالسكون وهو يقول: أنت لست ابنتي الحقيقية، ولا أستطيع الاعتناء بك وحدي الآن بعد رحيل والدتك.

بدأ قلبي يدق كطبول مجنونة وعجزت عن النطق بحرف واحد.

أكمل قائلا: أنت في الحقيقة لست ابنتنا، وإنما قمنا بتبنيك لأننا لا ننجب أطفالا، وقد أخذناك وأنت رضيعة من دار للأيتام، وأحببناك كابنتنا تماما، وكنا ننوي عدم إخبارك بالحقيقة أبدا، ولكن الآن وبعد وفاة أمك، فقد اختلف الوضع.

بدا لي أبي كطيف شبح يجيء ويروح، ووقفت هائمة في الغرفة أذرع أرضها، ولبثت على ذلك برهة من الزمان حتى لم أعد أشعر بمكان أو زمان.

 

 

 

 

 

 

الصفحة الخامسة

سمعت أمي تناديني، ورأيتها في مكان بعيد تلوح لي وتدعوني، طرت إليها بجناحين من ألم، ولما اقتربت منها  تبخّرت ملامحها واختفت.

أمي، أمي، أفقت وأنا أناديها، ونظرت حولي فدهشت لأن سقف حجرتي كان ورديا مشرقا بلون الأمل، أما هذه الحجرة فلون سقفها بدا لي رماديا مائلا إلى السواد.

جلست بفزع وأنا أكتم صرخة انطلقت من أعماق قلبي: أين أنا؟

قالت: المأوى الطبيعي لأمثالنا.

قلتُ: من أنت؟

قالت: مثلك وإن اختلفت أماكن العثور علينا، أنا وجدوني في موقف سيارات المستشفى، فماذا عنك؟

قلتُ: أين أبي؟

قالت: لم يعد أباك، ولن يعود، تقبلي الأمر كما هو.

قلتُ: أريد أن أموت، فلم يعد للحياة طعم ولا لون.

قالت: ومن قال إنك لن تموتي! هنا ستموتين في كل يوم ألف مرة ، فلا تستعجلي الموت، هو قادم لا محالة.

قلتُ: كنت في سفينة مبحرة بأمان ومنطلقة نحو هدفي في الحياة، وإذا بي ملقاة على أرض جزيرة مجهولة، بعد عاصفة هوجاء هبّت فأغرقت السفينة والربّان، وأخذت معها كل الأحلام، ولم تترك لي سوى الآلام، ليتني مت وغرقت وانتهت كل الأحزان.

قالت: هذا شعور أمثالنا المنبوذين من العالم، ستعتادي بعد فترة فلا تيأسي.

قلتُ: سألت نفسي مرارا لم لا أشبه والديّ؟ ولم أتخيل للحظة أبدا بأنهما ليسا والديّ!.

قالت: على الأقل عشت أربعة عشر عاما بأمان وسلام وكانت لك أحلام، أما أنا فلم أعش ذلك الشعور يوما حتى الآن، فمنذ عثورهم عليّ وأنا أتنقل من مشرفة إلى أخرى، وكل منهن تتعامل معي بجوهرها إما الثمين وإما الرخيص البالي.

قلتُ : كيف تكون ملامح أم تحمل جنينها في أحشائها تسعة أشهر ثم تلقي بها إلى أحشاء الحزن والضياع ؟ أتعرفين؟

قالت: في كل ليلة وقبل أن أستطيع النوم، أحاول تخيل تلك الملامح، حتى أنني أقوم بجرح ملامحي لأنني لا أريد شيئا يذكرني بهم.

قلتُ: أريد مرآة .

قالت: عندي، ولكن لا أحب النظر فيها حتى لا أراهما، فالكره يملأ قلبي تجاههما.

قلتُ وأنا أنظر في المرآة وكأنني أرى وجهي للمرة الأولى في حياتي: هل عيناي تشبهان عيني المرأة التي حملتني؟ أو لعلّها تشبه عيني الرجل الذي من المفترض به أن يكون أبي؟

قالت: أتعلمين مقدار شوقي لوجود إحساس الأبوة والأمومة في حياتي؟

قلتُ : هل نحن عار؟ أم أنهم هم العار؟

قالت : نحن نتاج لحظات إثم، التقى فيها رجل وامرأة وشيطان ثالثهما، فسوّل لهما فعلتهما باسم الحب والعشق والهيام، فتخدّرت الضمائر وانصهرت مع لهيب حمم ثورة البركان، وعندما خمدت ثورة ذلك البركان وبردت حممه، تجمدت، وكنا نحن وأمثالنا تلك الحمم المتجمدة التي كبرت في الأحشاء حتى ضاقت بنا، فألقونا بين أكوام القمائم والنفايات!.

قلتُ: حين وضعونا بجانب النفايات، ألم يخافوا علينا من كلاب ضالة تنهشنا، أو لعلّهم عرفوا بأن الحيوانات قد تكون أرحم بنا منهم!

قالت: ستستغربين عندما تعرفين بأنني أسأل نفسي دائما، هل ثار البركان مرة أخرى وجاء بلقيطة أخرى؟ وهل تعلمين بأنه كلما انضمت للدار بنت جديدة أظل أحدق فيها وبملامحها، فقد تكون تشبه ملامحي، فأعلم ساعتها بأن دوامة الخطيئة وثورات ذلك البركان لم تنته.

قلتُ: كيف يكون لون دماؤنا؟ أهو أحمر؟ أم أسود بلون الظلم والظلام والعتمة من فقدان البصر والبصيرة؟

قالت: نحن وأمثالنا لسنا ملوثون بدمائنا، فدماؤنا حمراء نقية، نحن ملوثون بمن أنجبونا ورمونا فهم مصدر تلوثنا!

قلتُ: كيف ستكون دنيانا؟

قالت: إما أن تخضعي وتستجدي عطف من حولك وتعيشي طيلة حياتك متسولة شفقة غيرك.

قلتُ: وإما ماذا ؟

قالت: أن تنحتي في الصخر، وتثبتي للعالم بأنك قوية، متسلحة بالعلم والأخلاق والدين، وأنك لن تعيشي طيلة الدهر في جلباب ودور الضحية.

 

الصفحة السادسة

جلستُ بين الورود في حديقة الجامعة، وأخذتُ أمتّع ناظريّ بألوان أزهارها، وتابعت العصافير وهي تحسو الماء مرة من النافورة، وتلتقط الحبّ مرة أخرى.

نظرتُ إلى السماء الصافية بزرقتها المهدئة لأي نفس متعبة، وإذا بشعاعين من أشعة الشمس تنثران في مسارهما زهورا ناصعة البياض، زرعت الرضى والأمل في قلبي، فكان شعاع الرضى بما وفقني الله له بإتمام دراستي الجامعية وتفوقي، وشعاع الأمل والطموح في إكمال مسيرة نحت الصخر التي اخترتها ومشيت فيها بعزيمة وإصرار المكافحين.

كنت أطمح بأن أصبح أستاذة جامعية، أستعين بعلمي وعملي وعطائي على نسيان الأحزان، وإن كان يستحيل على أمثالنا النسيان، إلا أنه يمكن مساعدة النفس على ذلك، إما بإلهائها بمهامها الجديدة، وإما بقطرات الدموع في ساعات الخلوة التي تُبّرد معها قليلا من الحرقة والآلام.

كنتُ كلما قست عليّ الحياة، أتذكر بأن كل شيء مكتوب فأرضى بالواقع على مرارته وعذاباته، وكنت أتظاهر دائما بأنني بخير، فالكتمان أفضل بكثير من تسول الشفقة.

كنت أؤمن بأن الحياة ما هي إلا كتابة في دفتر العمر المقدّر، وعلى الرغم من سواد بعض صفحاته  ورداءة الخط في البعض الآخر إلا أنني كنت مصرّة على ترك ما يستحق القراءة فيه.

كنت في كل خطوة  أخطوها أحاول ان أجعل قلبي وعقلي يعملان معا، لأن في العقل إرادة وفي القلب ضمير، وكنت أردد في نفسي دائما بأنني وأمثالي نتاج غياب العقل والقلب والوازع الديني معا عند رجل وامرأة، لم يستخدما سوى غريزة بهيمية في دقائق أو لحظات زمنية.

 

 

 

بقية الصفحات

كان هو ينظر إليّ من بعيد، كان يرى فيّ فتاة أحلامه، ففي نظره كنت أجمع خصال الخير من أدب وذكاء وجمال وحُسن تعامل، وفوق كل هذا عفة وتمسك بالدين والأخلاق.

فاتح والدته، فطارت فرحا، وطلبت منه عنوان منزلي ليتقدموا لخطبتي.

رآني أمامه في حديقة الجامعة، فوجدها فرصة ذهبية، ليسألني عن نسبي وعائلتي وعن عنوان مسكني.

شعرت بأن سكينا قد غرس في قلبي، فالتزمت الصمت برهة، وكنت قد درّبتُ نفسي جيدا لمثل هذا اليوم الذي كنت أخشاه في أحلامي.

استجمعت قواي، ونظرت إليه قائلة: عاهدت نفسي أن لا أهرب من قدري وواقع حياتي، وعاهدت نفسي أن لا أرخص من قيمتها أبدا، وأن أعزّها دائما.

ثم أكملتُ: لقد وصلت بفضل الله إلى منزلة أفتخر بها رغم كثرة وصعوبة العثرات في طريق الطموح، وحافظت وسأحافظ على هذه المنزلة والعزّة ما قدّر الله لي أن أعيش، وبما يعينني به الله من قوة وشجاعة.

تابعتُ قائلة: لقد سألتَ عن عائلتي ونسبي، أنا فتاة من عائلة اللقطاء، ونسبي يعود إلى سيدنا آدم أبو البشر، وعائلتي هي حلم ناقص سكن دفتر عمري في أول صفحة منه، ثم اختار أو أجبر أن يختفي في باقي الصفحات.

والدتي التي ربتني لم يُقدّر لها الله أن تبقى معي، ووالدي الذي رباني خاف عليّ وعلى نفسه من إكمال الطريق وحده، فتخلّى عني وأعادني إلى مأوى أمثالي في دور الأيتام واللقطاء.

وأكملتُ أقول: إن كان سلاحك الذي ستواجه به العالم - إن اخترت ذلك - أقوى من سلاح النسب القاتل لأمثالي، فسأقبل بهذا السلاح مهرا، وسأمضي معك بفخر ما تبقى لي من صفحات في دفتر العمر لعلّ الصفحات الجديدة تمحو بحلاوتها مُرّ تلك الصفحات.

نظرتُ حولي، فرأيت طيف خيال ينسحب بهدوء وخفة، فصمتُّ لأنني كنت أعلم بأن سلاح النسب لا يُمكن أن يُهزم بسهولة، وأن لعنة النسب ستبقى تلاحقني على مر الزمان.

ومع كل هذا وفي بقية صفحاتي سأبقى مرفوعة الجبين ألملم أحزاني، وأنثر عبيري على كل من حولي، فلست أدري، قد يوجد من لا يستطيع مقاومة هذا العبير الطاهر، وقد يوجد من يملك القدرة على هزم سلاح النسب، وقد أتحرر من لعنة النسب فيما تبقى من صفحات دفتر العمر.

تعليقات القراء